الحب عند العرب

الحب عند العرب

    الحب

    رسائل حب


    الكثير من بنات جيلي لم يكن يعرفن أن للحب عيداً، وأن "سانفلنتينو" هذا القديس الروماني  أو ما يسمى قدّيس عيد الحبّ؟، الذي ينتمي إلى القرن الثالث للميلاد، والذي يحرص العشاق والمخطوبون على الاحتفاء بيوم قتله كشفيع لهم، كان يغيب اسمه عنا تماما، ليس لأننا كعرب لم يكن لنا رصيد غني ومؤثر في ثقافة الحب، ولكن لأن المفاهيم والإحالات مختلفة بالمرة وعشقنا الخفي أو المعلن عنه في الشعر والكتابات العربية كان عشقاً جارفا ومدمرا للكثير من المحبيين، ما جعل البعض منهم يعيشون هائمين في البراري يتنشقون عطر الحبيبة من هبوب الريح القادمة من مضاربها، وينظمون من خلال ذلك أشعاراً خالدة ظلت إلى يومنا هذا نموذجا رهيفا لمقام الحب المثير.


    من يقرأ هذا البيت الشِعري مثلا لا يملك إلا أن يتماهى مع هذا الشاعر العاشق والمحروم في وصف شوقه لمحبوبته:

    *سأندب حتى يعلم الطير أنني حزين،*ويرثي لحالي الحمام المغرد*وألثم أرضا أنت فيها مقيمة لعل لهيبي من ثرى الأرض يبرد.


    يقول كاظم الساهر، عندما قرأت كلمات (أنا وليلى ) بقيت أبحث عن الشاعر خمس سنوات ..
    وعندما نشرت نداءً وإعلاناً لمعرفة مؤلف تلك القصيدة وجدت كاتبها رجل فقير مسكين
    وهو أستاذ لغة عربية يدرس في إحدى المناطق النائية ببغداد فعندما جاءني جلب لي القصيدة كاملة 355 بيت شعر !
    فلما جاء حسن المرواني إلى الأستوديو وبدأت بتلحين القصيدة بدأ بالبكاء ..
    وقال لي أنا لست شاعراً ..
    لأنني كتبتها تعبيراً عن حالة إنسانية مررت بها أيام الدراسة الجامعية لقد أعدت لي الذكريات

    قصة(أنا وليلى ) :

    حسن المرواني ..
    من العراق
    من مدينة ميسان . .
    كان شاب من عائله فقيرة جداً . .
    كان يشقى ويدرس . . .
    ومرت الأيام . .
    و أصبح من الطلاب المجتهدين في جامعه بغداد كليه الآداب ..
    كان إنسان بسيط متساهل . . صاحب لسان وكلمات براقة..
    بسيط اللباس ولكن داخله كنوزاً من ماس ..
    وقعت أنظاره . . على فتاة تسمى ليلى . .
    فأحبها .. وأحبته . .
    و اتفقوا على الزواج بعد التخرج ..
    .....
    وفي آخر سنة من العام الدراسي ..
    أتت ليلى ومعها خطيبها ..!
    صُدم حسن المرواني ..
    بعدها ..
    ترك الدراسه لفترة .. لكن من حسن حظه أنه لم يُرقن قيده . .
    وفي يوم التخرج . . دخل حسن المرواني يرتدي قاطاً أسوداً . .
    ولكن الدمعه مخنوقة بأعجوبة . . مكابرة يا مرواني ..
    ....
    سلّم على الأصدقاء وجلس معهم قليلاً من الوقت . .
    كان قبل ذلك بيومين قد قال حسن المرواني لصديقه أشرف الكاظمي ..
    أنه كتب قصيدة .. لكن ليس بوسعه أن يقرأها
    فقال له أشرف . . سنرى عزيزي .. من الأعز .. أن تقرأها أم تخسرني ..؟
    ..
    وبعد نصف ساعة من جلوس حسن المرواني على الطاولة مع أصدقاءه . .
    إذا بصوت ينادي ..
    ستسمعون الآن يا إخوان .. قصيدة من حسن المرواني ..
    فوقف حسن مندهشاً . . و الأنظار تتلفت إليه ..
    أجبرته تلك الأنظار على النهوض فأمسك المايكروفون..
    وقال . .
    سألقي عليكم قصيدتي الأخيرة ..في هذه المسيرة ..
    التفت ونظر إلى محبوبته بنظراتٍ يعلوها الحزن .. وخطيبها واقف بجانبها ..
    وقال .. 


    ماتت بمحرابِ عينيكِ ابتهالاتي ** و استسلمت لرياح اليأسِ راياتي
    جفّت على بابكِ الموصودِ أزمنتي ** ليلى وما أثمرتْ شيئاً نداءاتي
    ......
    فبكت ليلى وذهبت وجلست في المقعد الأخير ..
    ودموعها تحرق وجنتيها ..
    فنظر إليها من جديد .. ونظرة سريعة إلى خطيبها وقال:
    .......
    عامانِ ما رفّ لي لحنٌ على وترٍ ** ولا أستفاقت على نورٍ سماواتي
    أُعتّقُ الحبَ في قلبي و أعصرهُ ** فأرشفُ الهمَّ في مغبرِ كاساتي
    .......
    قالت يكفي يا مرواني .. أرجوك ..
    ضعف المرواني .. وأراد أن يترك المايكرفون إلا ان أشرف صرخ أكمل ..
    ....
    نزلت أول دمعة من دموع حسن المرواني وبدأت عينه بالاحمرار ..
    وقال:
    ممزق أنا لا جاه و لا ترف ** يغريكِ فيّ فخلّيني لآهاتي
    لو تعصرين سنين العمرِ أكملها ** لسال منها نزيفٌ من جراحاتي 

    فأشار إليها بإصبع السبابة .. وبكل حرارةٍ قال ..


    لو كنتُ ذا ترفٍ ما كنتِ رافضةً .. حبي . . ولكن عسرَ الحالِ فقرَ الحالِ ضعف الحالِ مأساتي ..
    عانيتُ ..عانيتُ..لا حزني أبوحُ بهِ ولستِ تدرينَ شيئاً عن معاناتي
    أمشي و أضحكُ يا ليلى مكابرةً ..علّي أُخبي عن الناس أحتضاراتي
    لا الناسُ تعرفُ ما أمري فتعذرهُ .. ولا سبيلَ لديهم في مواساتي
    يرسو بجفنيَّ حرمانٌ يمص دمي .. ويستبيحُ إذا شاء ابتساماتي
    معذورةٌ ليلى .. إن أجهضتِ لي أملي ..لا الذنب ذنبكِ . . بل كانت حماقاتي ..
    أضعتُ في عربِ الصحرٍاءِ قافلتي وجئتُ أبحثُ في عينيكِ عن ذاتي ..
    وجئتُ أحضانكِ الخضراء ممتشياً ..كالطفلِ أحملُ أحلامي البريئاتي
    غرستِ كفكِ تجتثين أوردتي .. وتسحقين بلا رفقٍ بلا رفقٍ مسراتي


    فبكى أشرف . . . وقبل حسن . . وقال أكمل 

    فقآل واا غربتااه مضاعٌ هاجرت سفني عني .. وما أبحرت منها شراعاتي
    وصرخ ..
    نُفيت و استوطن الأغرابُ في بلدي .. ودمرو كلَ أشيائي الحبيباتي 

    ..... 

    تأثر الجميع ..حد البكاء ..
    فالتفت إليها وقال .. 

    خانتكِ عيناكِ ..في زيفٍ وفي كذبٍ ..
    والتفت إلى خطيبها وقال ..
    أم غركِ البُهرج الخدّاع . . .
    مولاتي ..
    فراشةٌ جئتُ أُلقي كحلَ أجنحتي .. لديكِ فاحترقت ظلماً جناحاتي
    أُصيحُ والسيفُ مزروعٌ بخاصرتي .. والغدرُ حطّم آمالي العريضاتي

    ...... 

    قالت وعيناها تفيضُ بالدموع .. يكفي أرجوك .. حسن أرغموني على ذلك . .لأنهُ ابن عمي

    فصرخ . . 

    و أنتِ أيضاً ألا تبتْ يداكِ ..إذا آثرتِ قتلي.. واستعذبتِ أنّاتي
    من لي بحذف اسمكِ الشفافِ من لغتي .. إذن ستُمسي بلا ليلى ..
    ليلى . .
    حكاياتي.. 

    ..... 

    ترك المايكرفون واحتضنه أشرف . .
    وقبّله وقال له . . ياويلي . .
    قد أدمع عين الناظرين إليه .. واختلط الأنين بالبكاء ..
    وخرج و بعد خمس دقآئق . .أغمى على ليلى ..
    ونقلوها للمشفى . . ورجعت بحالة جيدة.
    ولكن كان لها أباً قاسياً جداً .. وخطبها لابن العم ..
    فذهب ابن عمها لحسن المرواني وهو يبكي وقال ..
    أنا آسف ماكنتُ أعرف بهذا . .والله . .

    ......

    قد جرت أحداث هذه القصة في سنة 1979 ..
    ورحل حسن المرواني وسافر الى الإمارات بسببها.. وبقى هناك أكثر من ستة عشر عاماً ..وإلى يومنا هذا ..
    أما القصيدة فقد خُطّت على جدار جامعة بغداد وهي موجودة إلى الآن تخليداً لذلك الحب الرائع المحزن....
    ولا عزاء لمن فقد حبيبه فقد صار العذاب والشعر طبيبه ...


    إن الطابوهات في ثقافتنا العربية كثيرة لحد الان، ولعل الحب أحد مظاهرها أو على الأقل عامل الحرج من الإعلان عن هذا الحب يحضر بقوة مما يفرض على الكثيرين كتمان مشاعرهم وعدم الإفصاح عنها، بينما استطاع الكثير من الشعراء العرب في القديم أن يعلنوا عن ذلك معرضين حياتهم للخطر بإهداردمهم أو تشريدهم في الصحاري كما كانت تقتضي بذلك الأعراف، والجميل في كل ذلك ورغم عذاباتهم الذاتية تركوا لنا ذلك الكم الجميل من أشعار الغزل الرقيقة والصادقة حد الصدمة، ما يجعل شاعرا ينظم مثلا بيته الشعري التالي:

    -"يهواك ما عشت القلب فإن مت/يتبع صداي صداك إلى القبر"
    -"وإني لأهوى النوم في غير حينه/لعل لقاء في المنام يكون في الحب "


    هناك مرادفات كثيرة يحفل بها قاموسنا العربي، حيث الغرام والعشق والهوى ومنها المحب والعاشق والمتيم والمغرم، لكننا لم نستطع أن نجعل يوما واحدا في السنة نحتفل فيه بهذه القيمة الإنسانية النبيلة.
    لقد كنت أنتظر أن أقرأ عن (فلنتينو) أنه مات من العشق، وأن أشعاره في الغرام أشعار تضاهي ما نظمه 'عنترة وجميل وقيس وعمر بن أبي ربيعة وسواهم ممن نظموا في الغزل، لكنني  إكتشفت أنه حب من طبيعة أخرى أو هي محبة وسلام إذا شئنا لاأنكر أنها من أجمل ما تنشده البشرية أيضا لكن بصيغة أخرى مختلفة.
    الشعراء العشاق و المتيمون كانوا ما يزالون قلة بمن فيهم المعاصرون، ونحن لم نعد نطمع في أن يكتب شاعر غزلا عفيفا أو ماجناً في محبوبته وينشر ذلك على الملأ في النت مجازفا بسمعته.
    كانت هؤلاء المعشوقات اللواتي أوقعن بسحرهن وجاذبيتهن العشاق صرعى حبهن يدارين خجلهن وحيرتهن داخل عالم الشعر الفاضح، خجلات من محيطهن الذي يحفظ عن الرواة تلك الأشعار المدوية بأحاسيس جياشة ويتعرف الناس من نظراتهن الحالمة، فعرفن الشوق في مقلتيها وحباب الشوق يبديه النظر.

    كما ويمكنك قراءة هذه المقالة للمزيد من التفاصيل >>هل للحب مدة صلاحية وهل يموت بعد الزواج؟


    إرسال تعليق